فهي امرأة، والمعلوم أنّ النّساء أقل قدرة على المواجهة من الرجال، ومع ذلك استطاعت أن تجتاز المحنة وتقابل الموت بقوة واقتدار، وفي(هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون)(١)، فما هو قول الضعفاء والعاجزين الذين يُخفون عجزهم تحت معاذير واهية؟
وهي-أيضا-تعيش حياة مترفة منعمة، ممّا يجعل الإنتقال إلى النقيض أمرا في غاية الصعوبة على النّفس، ومع ذلك قبلت تلك النّقلة البعيدة، وتحولت من سعة القصور والحياة المترفة إلى المواجهة وتحمّل العذاب بأقصى صوره دمويَّة، وفي هذا درس للمترفين الذين عبدوا شهواتهم ونزواتهم، وخافوا على رؤوس أموالهم، وتذرعوا بمصالحهم فقعدوا عن القيام بواجبهم، وهو درس لأؤلئك الذين يقبلون بالفتات ويخنعون ويستسلمون!
ثمّ هي تعيش في ظلّ أعتى شخصية، ولكنّها تحررت وصارت بإيمانها بالله في جنات النعيم(٢). لقد(انفصلت بباطنها عن بعلها طاعة لله وتوكلا عليه وخوفا منه فنجاها الله وأكرمها، ولم تضرها تلك الصلة الظاهرة بأخبث عبيد الله)(٣)، وفي هذا نسف لكل المبررات الواهية التي تُضخّم من شأن الطاغية وقوته وجبروته.
وهي لم تسأل الله أن يُنجّيها من نفس فرعون الخبيثة فقط، بل ومن عمله وكفره وعبادته غير الله تعالى وتعذيبه للنّاس وقتلهم بغير ذنب، وإلى غير ذلك من القبائح التي يرتكبها ذلك الأحمق(٤)؛ذلك أنّها حملت قضية ورسالة، وكفى بهذا رفعا لقدر المرأة في المفهوم القرآني.
(٢) انظر: فتح القدير(٥/٢٥٦).
(٣) البرهان في علوم القرآن(١/٤١٦)مع بعض التصرف.
(٤) انظر: روح المعاني(١٨/١٦٣).