قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَوْلُ الضَّحَّاكِ : مَنْ جَاءَ مِنْ الْحُجَّاجِ فَهُوَ مِنْ الطَّائِفِينَ " رَاجِعٌ أَيْضًا إلَى مَعْنَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقْصِدُ الْبَيْتَ فَإِنَّمَا يَقْصِدُهُ لِلطَّوَافِ بِهِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ خَصَّ بِهِ الْغُرَبَاءَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَالْغُرَبَاءَ فِي فِعْلِ الطَّوَافِ سَوَاءٌ.
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّمَا تَأَوَّلَهُ الضَّحَّاكُ عَلَى الطَّائِفِ الَّذِي هُوَ طَارِئٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾ وَقَوْلِهِ :﴿ إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ﴾ قِيلَ لَهُ : إنَّهُ وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَالطَّوَافُ مُرَادٌ لَا مَحَالَةَ ؛ لِأَنَّ الطَّارِئَ إنَّمَا يَقْصِدُهُ لِلطَّوَافِ فَجَعَلَهُ هُوَ خَاصًّا فِي بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَهَذَا لَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ، فَالْوَاجِبُ إذَا حَمَلَهُ عَلَى فِعْلِ الطَّوَافِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : وَالْعَاكِفِينَ مَنْ يَعْتَكِفُ فِيهِ ؛ وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الِاعْتِكَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ :﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ فَخَصَّ الْبَيْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : الْمُقِيمُونَ بِمَكَّةَ اللَّائِذُونَ بِهِ، إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ هُوَ اللُّبْثُ، وَقِيلَ فِي الْعَاكِفِينَ : الْمُجَاوِرُونَ، وَقِيلَ : أَهْلُ مَكَّةَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى اللُّبْثِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْمَوْضِعِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهُوَ عَلَى قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ الطَّائِفِينَ عَلَى الْغُرَبَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ قَدْ أَفَادَ لَا مَحَالَةَ الطَّوَافَ لِلْغُرَبَاءِ ؛ إذْ كَانُوا إنَّمَا يَقْصِدُونَهُ لِلطَّوَافِ، وَأَفَادَ جَوَازَ الِاعْتِكَافِ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿ وَالْعَاكِفِينَ ﴾ وَأَفَادَ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِيهِ أَيْضًا وَبِحَضْرَتِهِ، فَخَصَّ الْغُرَبَاءَ بِالطَّوَافِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الطَّوَافِ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ الَّذِي هُوَ لُبْثٌ مِنْ غَيْرِ طَوَافٍ، وَقَدْ رُوِيَ


الصفحة التالية
Icon