كَانُوا مُخَيَّرِينَ وَإِنْ كَانَ اخْتَارَ التَّوَجُّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَإِنْ قِيلَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :" إنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنْ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ".
قِيلَ لَهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْقُرْآنِ الْمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ :﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ وَكَانَ نُزُولُ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَفِيهِ إخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ عَلَى قِبْلَةٍ غَيْرُهَا، وَجَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ أَوَّلَ مَا نَسَخَ مِنْ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ مُرَادُهُ النَّاسِخَ مِنْ الْقُرْآنِ دُونَ الْمَنْسُوخِ.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :" أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنْ الْقُرْآنِ شَأْنُ الْقِبْلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ إلَى قَوْلِهِ :﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ كَانُوا مُخَيَّرِينَ فِي التَّوَجُّهِ إلَى حَيْثُ شَاءُوا.
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْ الْقُرْآنِ هَذَا التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ :﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وقَوْله تَعَالَى :﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ ﴾ قِيلَ فِيهِ : إنَّهُ أَرَادَ بِذِكْرِ السُّفَهَاءِ هَاهُنَا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ عَابُوا تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ.
وَأَرَادُوا بِهِ إنْكَارَ النَّسْخِ ؛ لِأَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ لَا يَرَوْنَ النَّسْخَ.
وَقِيلَ إنَّهُمْ قَالُوا : يَا مُحَمَّدُ مَا وَلَّاك عَنْ قِبْلَتِك الَّتِي كُنْت عَلَيْهَا ؟ ارْجِعْ إلَيْهَا نَتَّبِعْك وَنُؤْمِنْ بِك وَإِنَّمَا أَرَادُوا فِتْنَتَهُ.
فَكَانَ إنْكَارُ الْيَهُودِ لِتَحْوِيلِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ عَلَى


الصفحة التالية
Icon