يَعْلَمُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ لِلْعِبَادِ ؛ إذْ كَانَتْ الْمَوَاطِنُ بِأَنْفُسِهَا لَا تَسْتَحِقُّ التَّفْضِيلَ وَإِنَّمَا تُوصَفُ بِذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يُوجِبُ اللَّهُ تَعَالَى تَعْظِيمَهَا لِتَفْضِيلِ الْأَعْمَالِ فِيهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذِهِ الْآيَةُ يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يُجَوِّزُ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَمَنْ يَأْبَى ذَلِكَ يَقُولُ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نُسِخَ قَوْله تَعَالَى ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ فَكَانَ التَّوَجُّهُ إلَى حَيْثُ كَانَ مِنْ الْجِهَاتِ فِي مَضْمُونِ الْآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَوْلُهُ :﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ عِنْدَنَا، بَلْ هُوَ مُسْتَعْمَلُ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهِدِ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَفِي الْخَائِفِ وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُجْتَهِدِ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا : أَنَّهُ فِيمَنْ صَلَّى عَلَى رَاحِلَتِهِ.
وَمَتَى أَمْكَنَنَا اسْتِعْمَالُ الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ إيجَابِ نَسْخٍ لَهَا لَمْ يَجُزْ لَنَا الْحُكْمُ بِنَسْخِهَا.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأُصُولِ بِمَا يُغْنِي وَيَكْفِي وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ فَنَزَلَتْ :﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿ قَدْ أُمِرْتُمْ أَنْ تُوَجِّهُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ فَحَوَّلَتْ بَنُو سَلِمَةَ وُجُوهَهَا نَحْوَ الْبَيْتِ وَهُمْ رُكُوعٌ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ


الصفحة التالية
Icon