النَّهْيِ فَاحِشَةٌ، وَمَعْنَاهُ هُوَ فَاحِشَةٌ، فَ " كَانَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُلْغَاةٌ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَإِنَّك لَوْ رَأَيْت دِيَارَ قَوْمٍ وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ فَأَدْخَلَ " كَانَ " وَهِيَ مُلْغَاةٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْقَوَافِيَ مَجْرُورَةٌ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ فَلَا تَفْعَلُوا مِثْلَهُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ حُجَّةِ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا جَعَلَ قَوْله تَعَالَى :﴿ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ فَإِنَّهُ يَسْلَمُ مِنْهُ بِالْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاحِشَةٌ بَعْدَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا مَحَالَةَ، وَلَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ حُجَّةَ السَّمْعِ قَدْ كَانَتْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَيَسْتَحِقُّونَ اللَّوْمَ عَلَيْهِ ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى :﴿ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا سَلَفَ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَقَدَ نِكَاحًا عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ وَوَطِئَهَا كَانَ وَطْؤُهُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهَا فَاحِشَةً، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ قِيلَ لَهُ : الْفَاحِشَةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى :﴿ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةِ ﴾ أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ بَيْتِهِ فَاحِشَةٌ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْفَاحِشَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ تَسْتَطِيلَ بِلِسَانِهَا عَلَى أَهْلِ زَوْجِهَا، وَقِيلَ فِيهَا : إنَّهَا الزِّنَا.
فَالْفَاحِشَةُ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ، وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِالزِّنَا دُونَ غَيْرِهِ حَتَّى إذَا أُطْلِقَ فِيهِ اسْمُ الْفَاحِشَةِ كَانَ