أَحَدُهُمَا : إطْلَاقُ لَفْظِ الْإِبَاحَةِ وَكَوْنُهُ عُمُومًا، وَالْآخَرُ : الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَانُوا مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ، وَالْإِحْصَانُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ مَتَى أُطْلِقَ لَمْ يَكُنْ عُمُومًا كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَصِلُهُ الْمَنْعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحِصْنُ لِمَنْعِهِ مَنْ صَارَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَمِنْهُ الدِّرْعُ الْحَصِينَةُ أَيُّ الْمَنِيعَةُ، وَالْحِصَانُ بِالْكَسْرِ الْفَحْلُ مِنْ الْأَفْرَاسِ لِمَنْعِهِ رَاكِبَهُ مِنْ الْهَلَاكِ، وَالْحَصَانُ بِالنَّصْبِ الْعَفِيفَةُ مِنْ النِّسَاءِ لِمَنْعِهَا فَرْجَهَا مِنْ الْفَسَادِ ؛ قَالَ حَسَّانُ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ ﴾ يَعْنِي الْعَفَائِفَ وَالْإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ غَيْرِ مَا كَانَ الِاسْمُ لَهَا فِي اللُّغَةِ، فَمِنْهَا الْإِسْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾، رُوِيَ : فَإِذَا أَسْلَمْنَ ؛ وَيَقَعُ عَلَى التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَاهُ : فَإِذَا تَزَوَّجْنَ.
وَقَالَ تَعَالَى :﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ وَمَعْنَاهُ : ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ.
وَيَقَعُ عَلَى الْعِفَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى :﴿ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ وَيَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي إحْصَانِ الرَّجْمِ.
وَالْإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ : أَحَدُهُمَا : فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِهِ فِي قَوْله تَعَالَى :﴿ وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَفَافُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ، فَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَى قَاذِفِهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الزَّانِي وَالْكَافِرِ وَالْعَبْدِ ؛ فَهَذِهِ


الصفحة التالية
Icon