وقَوْله تَعَالَى :﴿ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ عُمُومٌ فِي إطْلَاقِ سَائِرِ التِّجَارَاتِ وَإِبَاحَتِهَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ فِي اقْتِضَاءِ عُمُومِهِ، لِإِبَاحَةِ سَائِرِ الْبُيُوعِ إلَّا مَا خَصَّهُ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّ اسْمَ التِّجَارَةِ أَعَمُّ مِنْ اسْمِ الْبَيْعِ لِأَنَّ اسْمَ التِّجَارَةِ يَنْتَظِمُ عُقُودَ الْإِجَارَاتِ وَالْهِبَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْأَعْوَاضِ وَالْبِيَاعَاتِ.
فَيُضَمَّنُ قَوْله تَعَالَى :﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : نَهْيٌ مَعْقُودٌ بِشَرِيطَةٍ مُحْتَاجَةٍ إلَى بَيَانٍ فِي إيجَابِ حُكْمِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى :﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بَاطِلٍ حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ حُكْمُ اللَّفْظِ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي : إطْلَاقُ سَائِرِ التِّجَارَاتِ، وَهُوَ عُمُومٌ فِي جَمِيعِهَا لَا إجْمَالَ فِيهِ وَلَا شَرِيطَةَ، فَلَوْ خُلِّينَا وَظَاهِرُهُ لَأَجَزْنَا سَائِرَ مَا يُسَمَّى تِجَارَةً، إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَصَّ مِنْهَا أَشْيَاءَ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَأَشْيَاءَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْخَمْرُ وَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِأَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي سَائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ﴾ وَقَالَ فِي الْخَمْرِ :﴿ إنَّ الَّذِي حَرَّمَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَأَكْلَ ثَمَنِهَا ﴾ وَلَعَنَ بَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا.
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَبَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْمَجْهُولَةِ وَالْمَعْقُودَةِ عَلَى غَرَرٍ، جَمِيعُ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ مِنْ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى :{ إلَّا