قَوْله تَعَالَى :﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْيَدُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى هَذَا الْعُضْوِ إلَى الْمَنْكِبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَمَّارًا تَيَمَّمَ إلَى الْمَنْكِبِ وَقَالَ :﴿ تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَنَاكِبِ ﴾ وَكَانَ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ :﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾، وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ بَلْ هُوَ كَانَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّ الِاسْمَ لِلْعُضْوِ إلَى الْمَنْكِبِ ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهَا إلَى الْمَنْكِبِ.
وَإِذَا كَانَ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّحْدِيدَ فَجَعَلَ الْمَرَافِقَ غَايَةً، كَانَ ذِكْرُهُ لَهَا لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ الْمَرَافِقَ فَيَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا ؛ إذْ لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى سُقُوطِهَا.
وَالثَّانِي : أَنَّ الْغَايَةَ لَمَّا كَانَتْ قَدْ تَدْخُلُ تَارَةً وَلَا تَدْخُلُ أُخْرَى، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي دَخَلَتْ الْغَايَةُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى :﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ وَوُجُودُ الطُّهْرِ شَرْطٌ فِي الْإِبَاحَةِ، وَقَالَ :﴿ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ وَوُجُودُهُ شَرْطٌ فِيهِ، وَ ( إلَى ) وَ ( حَتَّى ) جَمِيعًا لِلْغَايَةِ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تَدْخُلُ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِهِ :﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ ﴾ وَاللَّيْلُ خَارِجٌ مِنْهُ ؛ فَلَمَّا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَكَانَ الْحَدَثُ فِيهِ يَقِينًا لَمْ يَرْتَفِعْ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَهُوَ وُجُودُ غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ ؛ إذْ كَانَتْ الْغَايَةُ مَشْكُوكًا فِيهَا.
وَأَيْضًا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﴿ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا بَلَغَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَيْهِمَا ﴾ وَفَعَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى الْوُجُوبِ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ الْبَيَانِ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى :﴿ إلَى الْمَرَافِقِ ﴾ لَمَّا احْتَمَلَ دُخُولَ الْمَرَافِقِ فِيهِ وَاحْتَمَلَ خُرُوجَهَا صَارَ