أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَفْرُوضُ.
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ مَوْضِعَ النَّاصِيَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الرَّأْسِ كَمَا جَعَلْتهَا بَيَانًا لِلْمِقْدَارِ وَلَمْ تُجِزْ أَقَلَّ مِنْهَا، فَلَمَّا جَازَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ تَرْكُ مَسْحِ النَّاصِيَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الرَّأْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارٍ.
قِيلَ لَهُ : قَدْ كَانَ ظَاهِرُ فِعْلِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَوْلَا قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَسْحَ غَيْرِ النَّاصِيَةِ مِنْ الرَّأْسِ يَقُومُ مَقَامَ النَّاصِيَةِ، فَلَمْ يُوجِبْ تَعْيِينَ الْفَرْضِ فِيهَا وَبَقِيَ حُكْمُ فِعْلِهِ فِي الْمِقْدَارِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ بَيَانِهِ بِفِعْلِهِ.
فَإِنْ قِيلَ : لَمَّا كَانَ قَوْله تَعَالَى :﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ مُقْتَضِيًا مَسْحَ بَعْضِهِ، فَأَيُّ بَعْضٍ مَسَحَهُ مِنْهُ وَجَبَ أَنْ يَجْزِيَهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ.
قِيلَ لَهُ : إذَا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولًا صَارَ مُجْمَلًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ مَا ذَكَرْت مِنْ حُكْمِ الْإِجْمَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى :﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ وَقَوْلُهُ :﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وَقَوْلُهُ :﴿ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ كُلَّهَا مُجْمَلَةٌ لِجَهَالَةِ مَقَادِيرِهَا فِي حَالِ وُرُودِهَا، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ اعْتِبَارَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْهَا ؟ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :﴿ بِرُءُوسِكُمْ ﴾ وَإِنْ اقْتَضَى الْبَعْضُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَمَّا كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَنَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الْحُكْمِ عَلَى الْبَيَانِ.
فَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِعْلٍ فِيهِ فَهُوَ بَيَانُ مُرَادِ اللَّهِ بِهِ.
وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ سَائِرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمَّا كَانَ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا مُقَدَّرًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْضَاءِ