وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ :" لَا يَجُوزُ مَسْحُهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَإِنْ مَسَحَهُ بِأُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ وَمَدَّهَا حَتَّى يَكُونَ الْمَمْسُوحُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَجُزْ ".
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ :( يُجْزِيهِ ) إلَّا أَنَّ زُفَرَ يَعْتَبِرُ الرُّبُعَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجْزِي فِي مَفْرُوضِ الْمَسْحِ نَقْلُ الْمَاءِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ فِيهِ إمْسَاسُ الْمَاءِ الْمَوْضِعَ لَا إجْرَاؤُهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَضَعَ أُصْبُعًا فَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ الْمَاءُ مَمْسُوحًا بِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ مَسْحُ مَوْضِعٍ غَيْرِهِ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَعْضَاءُ الْمَغْسُولَةُ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَهَا بِالْمَاءِ وَلَمْ يُجْرِهِ عَلَيْهَا لَمْ يُجْزِهِ، فَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى الْغَسْلِ إلَّا بِجَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ وَانْتِقَالِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا بِحُصُولِهِ مِنْ مَوْضِعٍ وَانْتِقَالِهِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ.
وَأَمَّا الْمَسْحُ فَلَوْ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى إمْسَاسِ الْمَاءِ الْمَوْضِعَ مِنْ غَيْرِ جَرْيٍ لَجَازَ، فَلَمَّا اسْتَغْنَى عَنْ إجْرَائِهِ عَلَى الْعُضْوِ فِي صِحَّةِ أَدَاءِ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ مَاءً وَجَرَى عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوْفَى مِنْهُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَجْزَى عَنْ الْمَسْحِ مَعَ انْتِقَالِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ، فَهَلَّا أَجْزَتْهُ أَيْضًا إذَا مَسَحَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَنَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ قِيلَ لَهُ : مِنْ قِبَلِ أَنَّ صَبَّ الْمَاءِ غَسْلٌ وَلَيْسَ بِمَسْحٍ، وَالْغَسْلُ يَجُوزُ نَقْلُ الْمَاءِ فِيهِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ ؛ وَأَمَّا إذَا وَضَعَ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ فَهَذَا مَسْحٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا مَوْضِعًا غَيْرَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُجْرَى عَلَيْهِ بِالصَّبِّ وَالْغَسْلِ يَتَّسِعُ لِلْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ كُلِّهِ، وَمَا عَلَى


الصفحة التالية
Icon