رَأْسَهُ مَرَّتَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ } وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَجْدِيدَ الْمَاءِ ؛ كَذَلِكَ الْأُذُنَانِ ؛ إذْ غَيْرُ مُمْكِنٍ مَسْحُ الرَّأْسِ مَعَ الْأُذُنَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يُمْكِنُ مَسْحُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَمُؤَخَّرِهِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا دَلَالَةَ فِي ذِكْرِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى تَجْدِيدِ الْمَاءِ لَهُمَا دُونَ الرَّأْسِ.
فَإِنْ احْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ :﴿ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ﴾ فَجَعَلَ السَّمْعَ مِنْ الْوَجْهِ.
قِيلَ لَهُ : لَمْ يُرَدْ بِالْوَجْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعُضْوَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ جُمْلَةَ الْإِنْسَانِ هُوَ السَّاجِدُ لِلَّهِ لَا الْوَجْهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ ﴾ يَعْنِي بِهِ ذَاتَه.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ السَّمْعَ، وَلَيْسَ الْأُذُنَانِ هُمَا السَّمْعُ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِ الْأُذُنَيْنِ ؛ وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : إلَى هَامَةٍ قَدْ وَقَرَ الضَّرْبُ سَمْعَهَا وَلَيْسَتْ كَأُخْرَى سَمْعُهَا لَمْ يُوقَرْ فَأَضَافَ السَّمْعَ إلَى الْهَامَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا تُمْسَحَانِ مَعَ الرَّأْسِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ مَسْحٌ مَسْنُونٌ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْمَفْرُوضِ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَمْسَحَ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى أَصْلِ السَّاقِ وَالْمَفْرُوضُ مِنْهُ بَعْضُهُ أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا فَمِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَعَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ مِقْدَارُ مَا يُسَمَّى مَسْحًا ؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ خَيْرٍ ﴿ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ ثُمَّ قَالَ : هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴾ ؛ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنِيُّ وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ :{ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ