فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَطْلُبَهُ فَيَمْنَعَهُ ؛ وَهَذَا عِنْدَنَا إذَا كَانَ طَامِعًا مِنْهُ فِي بَدَلِهِ لَهُ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، وَنَظِيرُهُ أَنْ يَطْمَعَ فِي مَاءٍ مَوْجُودٍ بِالْقُرْبِ مِنْهُ أَوْ يُخْبِرُهُ بِهِ مُخْبِرٌ فَلَا يَجُوزُ تَيَمُّمُهُ ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ فِي مِثْلِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا لَوْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ صَارَ إلَى النَّهْرِ وَهُوَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ أَوْ اعْتَرَضَ لَهُ قَاطِعُ طَرِيقٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، فَلَيْسَ هَذَا مَنْ قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ الطَّلَبَ فِي شَيْءٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسُؤَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ الْمَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَ عَلِيًّا فِي طَلَبِ الْمَاءِ، فَإِنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ عِنْدَنَا مُسْتَحَبٌّ كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَيْضًا لَا يَخْلُو الَّذِي فِي الْمَفَازَةِ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ وَلَمْ يَطْمَعْ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا أَوْ غَيْرَ وَاجِدٍ، فَإِنْ كَانَ وَاجِدًا فَالطَّلَبُ سَاقِطٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ تَكْلِيفُهُ طَلَبَ مَا هُوَ وَاجِدُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاجِدٍ جَازَ تَيَمُّمُهُ بِقَوْلِهِ :﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :﴿ التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ ﴾.
فَإِنْ قِيلَ : إذَا كَانَ شَرْطُ جَوَازِ التَّيَمُّمِ عَدَمَ الْمَاءِ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُجْزِيَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ وُجُودَ شَرْطِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ حُضُورَ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ فِعْلُهَا إلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْيَقِينِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ.
قِيلَ لَهُ : الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ


الصفحة التالية
Icon