يَكُونَ كَالْمُسَافِرِ إذَا كَانَ الْمَاءُ مِنْهُ قَرِيبًا وَخَافَ السَّبُعَ أَوْ اللُّصُوصَ فَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَلَا يُعِيدُ، فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ وَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ حَالِ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِأَنَّ الْمَاءَ مَوْجُودٌ فِي الْحَضَرِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ وَفِعْلُ الْآدَمِيِّ فِي مِثْلِهِ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ رِجْلٌ مُكْرِهًا مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ أَصْلًا أَوْ مِنْ فِعْلِهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَصَلَّى بِالْإِيمَاءِ أَنَّهُ يُعِيدُ ؟ وَلَوْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِغْمَاءٍ وَنَحْوِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَلَوْ كَانَ مَرِيضًا سَقَطَ عَنْهُ فِعْلُ الرُّكُوعِ إلَى الْإِيمَاءِ ؛ فَاخْتَلَفَ حُكْمُ الْمَنْعِ إذَا كَانَ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ.
فَكَذَلِكَ حَالُ الْحَضَرِ، لَمَّا كَانَتْ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُ اسْتِعْمَالِهِ بِمَنْعِ الْآدَمِيِّ مِنْهُ، فَأَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ وَإِعَادَتِهَا بِالْمَاءِ ؛ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى لَمْ يَأْمُرْهُ بِفِعْلِهَا لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا فَلَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ : فَأَنْتَ تَأْمُرُ الْمُحْرِمَ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ وَأَرَادَ الْإِحْلَالَ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ مُتَشَبِّهًا بِالْحَالِقِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ، فَهَلَّا أَمَرْت الْمَحْبُوسَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَشَبِّهًا بِالْمُصَلِّينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا وَكَمَا تَأْمُرُ الْأَخْرَسَ بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ بِالتَّلْبِيَةِ اسْتِحْبَابًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلَبِّيًا قِيلَ لَهُ : الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَفْعَالَ الْمَنَاسِكِ قَدْ يَنُوبُ عَنْهُ الْغَيْرُ فِيهَا فِي حَالٍ فَيَصِيرُ حُكْمُ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ، فَجَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْ الْحَلْقِ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْغَيْرُ عَنْهُ فَيُجْزِي، وَكَذَلِكَ تَلْبِيَةُ الْغَيْرِ قَدْ تَنُوبُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَالِ الْإِغْمَاءِ، فَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُ


الصفحة التالية
Icon