سَلَّمْنَا تَمَارَى رَجُلَانِ كَانَا عَنْ يَمِينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ ؛ وَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لِلْآخَرِ : أَسَأْت صَلَاتَك، وَنَقَرْت نَقْرَ الْغُرَابِ.
وَالْآخَرُ يَقُولُ لَهُ : كَذَبْت ؛ بَلْ أَحْسَنْت وَأَجْمَلْت.
فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزَّاهِدِ : أَلَمْ يَكُنْ إلَى جَانِبِك ؛ فَكَيْفَ رَأَيْته يُصَلِّي ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَا عِلْمَ لِي بِهِ، كُنْت مُشْتَغِلًا بِنَفْسِي وَصَلَاتِي عَنْ النَّاسِ وَصَلَاتِهِمْ.
فَخَجِلَ الرَّجُلُ وَأُعْجِبَ الْحَاضِرُونَ بِالْقَوْلِ.
وَصَدَقَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزَّاهِدُ ؛ لَوْ كَانَ لِصَلَاتِهِ قَدْرٌ، أَوْ لَهُ بِهَا شُغْلٌ وَإِقْبَالٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَمَا عَلِمَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ فَضْلًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ كَيْفِيَّةَ صَلَاتِهِ، وَإِلَّا فَأَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَسَاءَ صَلَاتَهُ فِي حَذْفِ صِفَاتِهَا، وَاخْتِصَارِ أَرْكَانِهَا، وَهَذَا أَسَاءَ صَلَاتَهُ فِي الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ هَذَا، حَتَّى ذَهَبَ حِفْظُ صَلَاتِهِ وَخُشُوعُهَا.
وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَك :" اللَّهُ أَكْبَرُ " يُحَرِّمُ عَلَيْك الْأَفْعَالَ بِالْجِوَارِ، وَالْكَلَامَ بِاللِّسَانِ ؛ وَنِيَّةَ الصَّلَاةِ تُحَرِّمُ عَلَيْك الْخَوَاطِرَ بِالْقَلْبِ، وَالِاسْتِرْسَالَ عَنْ الْأَفْكَارِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ ضَبْطَ الشَّرِّ مِنْ السِّرِّ يَفُوتُ طَوْقَ الْبَشَرِ سَمَحَ فِيهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانًا لَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.


الصفحة التالية
Icon