ص : ٩٤
وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها. فهي إنما تتحقق باتباع أمره، واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها، وشاهدا لمن ادعاها، فقال تعالى : ٣ : ٣١ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم للّه، وشرطا لمحبة اللّه لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء محبتهم للّه لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة اللّه لهم، فيستحيل إذا ثبوت محبتهم للّه، وثبوت محبة اللّه لهم بدون المتابعة لرسوله.
ودل على أن متابعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : هي حب اللّه ورسوله، وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية، حتى يكون اللّه ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما. فلا يكون عنده شيء أحب إليه من اللّه ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفره اللّه لصاحبه البتة، ولا يهديه اللّه. قال اللّه تعالى : ٩ : ٢٤ قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.
فكل من قدّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة اللّه ورسوله، أو قول أحد منهم على قول اللّه ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة اللّه ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف اللّه ورجائه والتوكل عليه.
أو معاملة أحدهم على معاملة اللّه، فهو ممن ليس اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه، وكذلك من قدم حكم أحد على حكم اللّه ورسوله. فذلك المقدّم عنده أحب من اللّه ورسوله، لكن قد يشتبه الأمر على من يقدم قول أحد أو حكمه أو