وإمّا من حيث المدلول، فإن ثبوت الأظلمية لمن جُرَّ ب « من » يكون على تقدير، أي : إن كتمها فلا أحد أظلم منه، وهذا كله معنى لا يليق به تعالى وينزه كتابه عنه.
قوله تعالى :« ﴿ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سُدى، وأنه يجازيهم على أعمالهم.
والغافل الذي لا يفطن إلى الأمور إهمالاً منه؛ مأخوذ من الأرض الغُفْل، وهي التي لا عَلَم لها ولا أثر عمارة.
وناقة غُفْلك لا سِمَة بها.
ورجل غُفْلك لم يجرب الأمور. وقال الكسائي :»
أرض غُفْل لم تمطر «، غفلت عن الشيء غَفْلَةً وغُفُولَةً، وأغفلت الشيءك تركته على ما ذكر منك.
فإن قيل : ما الحكمة في عدوله عن قوله :»
وَاللهُ عَلِيمٌ « إلى » وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ «.
فالجواب : أن نفي النقائص وسلبها عن صفاتا لله تعالى أكمل من ذكر الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها، فإن النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة، والإثبات لا يستلزم نفي النقيض؛ لأن العليم قد يفضل عن النقيض، فلما قال الله تعالى :»
وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ « دلّ ذلك على أنه عالم، وعلى أنه غير غافل، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية.
فإن قيل : قد قال تعالى في موضع آخر :﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [ يوسف : ١٩ ].
فالجواب : أن ذلك سيق لمجرد الإعلام بالقصّة لا للزجر، بخلاف هذه الآية، فإن المقصود بها الزجر والتهديد.


الصفحة التالية
Icon