الرابع : قيل لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى ﷺ وحده، والوعد الثاني حضره المختارون معه لِيسمَعُوا كلامَ اللَّهِ، فصار الوعدُ مختلفاً لاختلاف الحاضرين.
قوله :﴿ وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني ﴾ الجمهور على فتح نون هَارُونَ وفيه ثلاثة أوجه :
الأول : أنه مجرورٌ بدلاً من أخيهِ. الثاني : أنَّه عطفُ بيان له. الثالث : أنه منصوبٌ بإضمار : أعني، وقُرِئ شاذاً بالضَّمِّ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ منه حرفُ النِّداءِ، أي : يا هارونُ كقوله :﴿ يُوسُفُ ﴾ [ يوسف : ٢٩ ].
والثاني : أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف، أي : هُو هارونُ. وهذا في المعنى كالوجهِ الذي تقدَّم من أنه منصوبٌ بإضمار : أعني، فإنَّ كليهما قطع.
وقال أبُو البقاء :« ولو قُرِىءَ بالرَّفْعِ » وذكرهما، وكأنَّهُ لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة.
قال :« ومن دعاك منهم إلى الفَسَادِ؛ فلا تتبعه، ولا تطعه » وقال اخْلُفْني أي : كن خليفتي في قومي وأصْلِحْ وكُنْ مصلحاً، أو وَأصْلِحْ ما يجبُ أن يُصْلَحَ من أمور بني إسرائيل.
﴿ وَقَالَ موسى ﴾ عند انطلاقه إلى المناجاة لأخِيهِ هارُونَ.
فإن قيل : إن هارون كان شريك موسى - عليهما الصَّلاة والسَّلام - في النبوَّةِ، فكيف جعله خليفة لنفسه؛ فإن شريك الإنسانِ أعلى حالاً من خليفته وَرد الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدْنَى يكون إهانة له.
فالجوابُ : أن الأمْرَ، وإن كان كما ذكرتم، إلاَّ أنَّ مُوسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان هو الأصل في تلك النبوَّةِ.
فإن قيل : لما كان هارُون نبيّاً، والنَّبيُّ لا يفعلُ إلاَّ الأصلح فكيف وصَّاهُ بالإصلاح؟
فالجوابُ : أنَّ المقصودَ من هذا الأمْرِ : التَّأكيدُ كقوله تعالى :﴿ وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [ البقرة : ٢٦٠ ].
قوله :﴿ وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا ﴾ اللام في لِمِقَاتِنَا للاختصاص، وكذا في قوله تعالى ﴿ لِدُلُوكِ الشمس ﴾ [ الإسراء : ٧٨ ]، وليست بمعنى عند.
قوله :﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾، هذه الفائدة التي لأجلها حضر موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الميقات واختلفُوا في أنَّهُ تعالى كلَّمَ مُوسَى وحدَه، أو مع أقوام آخرين. وظاهر الآيةِ أنَّهُ تعالى كَلَّمَهُ وحده؛ لأنَّهُ يدلُّ على تخصيص موصى بهذا التَّشريف.
وقال القَاضِي :« بل السَّبْعُونَ المختارُونَ سمعوا كلام الله؛ لأن الغرضَ بإحضارهم أن يخبرُوا قومَ موسى عمَّا يَجْرِي هَنَاكَ ».

فصل


دَلَّت الآيةُ على أنَّهُ تعالى يجوز أن يُرَى؛ لأنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - سأل الرُّؤية، ولا شَكَّ أنَّه كان عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على اللَّهِ، فلو كانت الرُّؤية ممتنعة على اللَّه تعالى لما سألها، وأنكرت المعتزلةُ ذلك، والبحثُ في هذه المسألة مذكورة في كتب أصُولِ الدِّينِ.

فصل


نقل عن ابن عبَّاس أنه قال : جاء موسى ومعه السَّبْعُون، وصعد موسى الجبلَ وبقي السَّبعون في أسفل الجبل، وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، وكتب له في الألواح كتاباً وقرَّبُه نَجِيّاً، فلمَّا سمع موسى صرير القلم عظم شوْقُهُ.


الصفحة التالية
Icon