﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ﴾ [ يونس : ٢ ] وقوله :﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ [ الكهف : ١١٠ ] والمعنى : أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على النَّاسِ، كما قرر في الأنعام.
وثالثها : أنَّ هذا خطاب لأهل الحرم؛ لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته، وكانوا يخدمونهم، فكأنه قيل للعرب : كنتم قبل مقدمه مجتهدين في خدمة أسلافه، فلم تتكاسلوا عن خدمته مع أنَّهُ أعلى في الشَّرفِ من أسلافه.
والصفة الثانية : قوله « عَزِيزٌ » فيه أوجه :
أحدها : أنَّهُ صفة ل « رسُول »، وفيه أنه تقدَّم غيرُ الوصف الصَّريح على الوصف الصَّريح.
وقد يجاب بأنَّ « مِنْ أنفُسِكُم » متعلق ب « جَاءَ » و « ما » يجوزُ أن تكون مصدرية، أو بمعنى « الذي ».
وعلى كلا التقديرين فهي فاعل ب « عَزِيز »، أي : يعزُّ عليه عنتُكم، أو الذي عنتُّمُوهُ، أي : عنتُهم يُسيئه، فحذف العائد على التدرج؛ وهذا كقوله :[ الوافر ]
٢٨٦١- يَسُرُّ المَرْء ما ذهبَ اللَّيَالِي | وكانَ ذهَابُهُنَّ لهُ ذَهَابَا |
والصفة الثالثة : قوله :« حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ » والحريص يمتنع أن يكون متعلقاً بذواتهم، بل المراد حريص على إيصال الخيراتِ إليكم في الدُّنيا والآخرة، وعلى هذا التقدير يكونُ قوله :﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي : شديد معزَّته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم؛ لأنَّ العزيز هو الغالب الشَّديد، وبهذا التقدير لا يحصلُ التَّكرار.
والصفة الرابعة والخامسة قوله :﴿ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ « بالمُؤمنينَ » متعلقٌ ب « رَءُوفٌ » ولا يجوز أن تكون المسألةُ من التنازع؛ لأنَّ شرطه تأخُّر المعمول عن العاملين، وإن كان بعضهم قد خالف، ويجيزُ : زيداً ضربتُ وشتمته، على التَّنازع.
وإذا فرَّعنا على هذا الضعيف، فيكون من إعمال الثاني، لا الأول، لما عُرف أنَّهُ متى أعمل الأوَّلُ أضمر في الثاني من غير حذف.
فصل
قال ابن عباس : سمَّاه الله تعالى ههنا باسمين من أسمائه. والمعنى : رءوفٌ بالمطيعين.
فإن قيل : كيف يكون كذلك، وقد كلَّفهم في هذه السُّورة بأنواعٍ من التَّكاليفِ الشَّاقَّة التي لا يقدرُ على تحملها إلا من وفقه الله تعالى.