أي: أوجب أو أثبت أو اقسم ﴿لنا﴾ أي: في مدّة إحيائك لنا ﴿في هذه الدنيا﴾ أي: الحاضرة والدنية ﴿حسنة﴾ أي: حسن معيشة وتوفيق طاعة ﴿وفي الآخرة﴾ أي: واكتب لنا في الحياة الآخرة حسنة وهي الجنة ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنا هدنا﴾ أي: تبنا ﴿إليك﴾ أي: عما لا يليق بجنابك وأصل الهود الرجوع برفق والهود جمع هائد وهو التائب ولبعضهم:
*يا راكب الذنب هدهد ** واسجد كأنك هدهد*
(١٥/٤٣٦)
---
قال بعضهم: وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم ثم صار اسم ذم بعد نسخها ﴿قال﴾ الله تعالى لموسى: ﴿عذابي أصيب به من أشاء﴾ من خلقي أذنب أو لم يذنب لا اعتراض علي ﴿ورحمتي وسعت﴾ عمت وشملت ﴿كل شيء﴾ من خلقي في الدنيا ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيحين «إنّ رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية «غلبت غضبي» وأمّا في الآخرة فقال تعالى: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ الله ﴿ويؤتون الزكاة﴾ وخصها بالذكر لنفعها المتعدّي ولأنها كانت أشق عليهم، قال قتادة: لما نزل ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء فقال تعالى: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة﴾ ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ ولا يكفرون بشيء منها فأيس إبليس منها وتمناها اليهود والنصارى وقالوا: نحن نتقي ونؤمن بآيات ربنا فأخرجهما الله تعالى بقوله:
﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ﴾ وإنما سماه رسولاً بإضافته إلى الله عز وجل لأنه الواسطة بين الله تعالى وبين خلقه لرسالته وأوامره ونواهيه وشرائعه إليهم ونبياً لأنه رفيع الدرجة عند الله ثم وصفه بالأميّ وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ وهي صفة نبينا محمد ﷺ قال ﷺ «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» والعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون أي: الخط والنبيّ ﷺ كان كذلك، قال أهل التحقيق: وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه: