(١٦/٢٠٥)
---
تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ثم رجعا إلى ثعلبة فقال كمقالته الأولى ولم يدفع إليهما شيئاً فرجعا إلى النبيّ ﷺ وأخبراه بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبيّ ﷺ وسأله أن يقبل صدقته فقال: إن الله تعالى منعني من أن أقبل صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال ﷺ «لقد قلت لك فما أطعتني» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها ثم جاء بها إلى عمر أيام خلافته فلم يقبلها فلما ولى عثمان أتاه بها فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه.
فإن قيل: العبد إذا تاب تاب الله عليه فلماذا منع الله تعالى من قبول صدقته أجيب: بأنّ الله تعالى لما قال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (التوبة، ١٠٣)
وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه فلهذا السبب امتنع رسول الله ﷺ من أخذ تلك الصدقة ثم قال الله تعالى:
﴿فلما آتاهم من فضله بخلوا به﴾ أي: منعوا حق الله تعالى منه ﴿وتولوا﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿وهم معرضون﴾ أي: عن طاعة الله تعالى.
﴿فأعقبهم﴾ أي: صير عاقبتهم ﴿نفاقاً﴾ متمكناً ﴿في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ أي: الله يوم القيامة ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي: بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح لأنّ الجزاء من جنس العمل ﴿وبما كانوا يكذبون﴾ أي: يجددون الكذب دائماً مع الوعد ومنفكاً عنه فقد استكملوا النفاق عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا وحدّثوا فكذبوا وقد قال ﷺ «آية المنافق ـ أي: علامته ـ ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان».
(١٦/٢٠٦)
---