وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أنّ رقابنا ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقي على كبده وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أنّ رقبته ستقطع فقال أبو بكر: يا رسول الله إنّ الله تعالى قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع الله تعالى قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع رسول الله ﷺ يديه فلم يرجعا حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأنا ما معنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. ﴿من بعدما كاد تزيغ﴾ أي: قرب أن تميل ﴿قلوب فريق منهم﴾ أي: همّ بعضهم عند تلك العسرة العظيمة أن يفارق النبيّ ﷺ لكنه صبر واحتسب ولم يرد الميل عن الدين فلذلك قال الله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم﴾ لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر العسير.
(١٦/٢٥٨)
---
فإن قيل: قد ذكر الله تعالى التوبة أولاً ثم ذكرها ثانياً فما فائدة التكرار؟ أجيب: بأنّ الله تعالى ذكر التوبة أوّلاً قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطبيباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرّة أخرى تعظيماً لشأنهم وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. وقرأ حفص وحمزة: يزيغ، بالياء على التذكير لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقي، والباقون بالتاء على التأنيث، وأدغم أبو عمرو الدال من كاد في التاء بخلاف عنه ﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾ هاتان صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب فالرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرّ والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة، وقيل: إحداهما للرحمة السابقة والآخرى للمستقبلة وقوله تعالى:
(١٦/٢٥٩)
---


الصفحة التالية
Icon