(٣/٢٧٦)
---
إني أحبّ أن أسمع منك تأويل رؤياي شفاهاً، فأجابه بذلك الجواب شفاهاً وشهد قلبه بصحته فعند ذلك.
﴿قال﴾ له ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾، أي: ذو مكانة وأمانة على أمرنا فما ترى أيها الصديق؟ ﴿قال﴾ أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنين المجدبة بعنا الغلال فيحصل بهذا الطريق مال عظيم، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟ فقال يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ جمع خزانة وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض أرض مصر، أي: خزائن أرضك مصر، وقال الربيع بن أنس: ، أي: خرج مصر ودخله.
وروى ابن عباس عن رسول الله ﷺ في هذه الآية قال: «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره الله تعالى سنة فأقام في بيته سنة مع الملك». قال الرازي: وهذا من العجائب؛ لأنه لما تثاقل عند الخروج من السجن سهل الله تعالى عليه ذلك على أحسن الوجوه. ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه، وهذا يدل على أنّ ترك التصرف أتم، والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى، ثم قال: ﴿إني حفيظ عليم﴾، أي: ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل: كاتب وحاسب. فإن قيل: لم طلب يوسف عليه السلام الإمارة والنبيّ ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة». ولم طلب الإمارة من سلطان كافر، ولم لم يصبر مدّة، ولم أظهر الرغبة في طلبها في الحال، ولم طلب أمر الخزائن في أوّل الأمر مع أن هذا يورث نوع تهمة، ولم مدح نفسه وقد قال تعالى: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ (النجم، ٣٢) ولم ترك الاستثناء في هذا وقد قال تعالى: ﴿ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣، ٢٤) فهذه سبعة أسئلة؟.
(٣/٢٧٧)
---