﴿فإن لم تأتوني به﴾، أي: بأخيكم ﴿فلا كيل﴾، أي: فلا ميرة ﴿لكم عندي﴾ ولم يمنعهم من غيره ﴿ولا تقربون﴾ نهي أو عطف على محل فلا كيل لكم، أي: تحرموا ولا تقربوا مني ولا تدخلوا دياري، فجمع لهم عليه السلام بين الترغيب والترهيب فالترغيب في قوله الأوّل، والترهيب في قوله الثاني؛ لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى الطعام وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده، ومع ذلك لم يخطر ببالهم أنه يوسف، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل:
﴿قالوا سنراود﴾، أي: بوعد لا خلف فيه حين نصل ﴿عنه أباه﴾، أي: سنكمله فيه وننازعه الكلام ونحتال فيه ونتلطف في ذلك ولاندع جهداً ﴿وإنا لفاعلون﴾ ما أمرتنا به والتزمناه.
﴿و﴾ لما أرغبهم وأرهبهم في شأن أخيه ﴿قال لفتيته﴾، أي: غلمانه الكيالين جمع فتى، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بألف بعد الياء المثناة تحت وبعد الألف نون مكسورة، والباقون بالياء المثناة تحت ثم بتاء مثناة فوق مكسورة. ﴿اجعلوا بضاعتهم﴾، أي: التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها كانت النعال والأدم ﴿في رحالهم﴾ جمع رحل أوعيتهم التي يحملون فيها الطعام ﴿لعلهم يعرفونها﴾، أي: بضاعتهم ﴿إذا انقلبوا﴾، أي: رجعوا ﴿إلى أهلهم﴾وفتحوا أوعيتهم ﴿لعلهم يرجعون﴾ إلينا.
واختلف في السبب الذي من أجله رد يوسف عليه السلام بضاعتهم في رحالهم على أوجه:
الأوّل: أنه أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدّة الزمان، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم.
الثاني: أراد أن يعرّف أباه انه أكرمهم وطلبهم لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه.
الثالث: مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا يطلب زيادة الثمن.
والرابع: أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه عيب ولا منة.
(٣/٢٨٥)
---