فإن قيل: هذا التأويل لا يطابق قول يوسف عليه السلام ﴿وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل﴾ والمراد منه قوله ﴿إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ (يوسف، ٤) أي: رأيتهم ساجدين لأجلي، أي: أنهم سجدوا لله لطلب مصلحتي والسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا محتملاً سقط السؤال قال الرازيّ: وعندي أنّ هذا التأويل متعين؛ لأنه يبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوّة أو أنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا شكراً لنعمة وجدانه، فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة./
قال حسان:
*ما كنت أعرف أنّ الأمر منصرف
** عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن
*أليس أوّل من صلى لقبلتكم
** وأعرف الناس بالآثار والسنن
(٣/٣٢٧)
---
ثم استأنف يوسف عليه السلام فقال ﴿قد جعلها ربي﴾، أي: الذي رباني بما أوصلني إليها ﴿حقاً﴾، أي: مطابقة للواقع لتأويلها وتأويل ما أخبرتني به أنت، والتأويل تفسير ما يؤول إليه معنى الكلام، وعن سلمان رضي الله تعالى عنه أنّ ما بين رؤياه وتأويلها أربعون سنة. وعن الحسن: أنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وبقي في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، ثم وصل إلى أبيه وأقاربه وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، فكان عمره وعشرين سنة ﴿وقد أحسن﴾، أي: أوقع إحسانه ﴿بي﴾ تصديقاً لما بشرتني به من إتمام النعمة، وتعدية أحسن بالباء أدل على القرب من التعدية بإلى، وإن كان أصل أحسن أن يتعدّى بإلى كما قال تعالى: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ (القصص، ٧٧) وقيل: ضمن معنى لطف فتعدّى بالباء كقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ (البقرة، ٨٣) وقال: ﴿إذ أخرجني من السجن﴾ ولم يذكر إخراجه من الجب لوجوه: أوّلها: أنه قال لإخوته: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ (يوسف، ٩٢) ولو ذكر واقعة الجب لكان ذلك تثريباً لهم فكان إهماله جارياً مجرى الكرم.
(٣/٣٢٨)
---


الصفحة التالية
Icon