﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ إلى المكلفين ﴿إلا رجالاً﴾، أي: مثل ما أنك رجل لا ملائكة ولا إناثاً كما قاله ابن عباس، ولا من الجنّ كما قاله الحسن، ﴿يوحى إليهم﴾، أي: بواسطة الملائكة مثل ما يوحي إليك. وقرأ حفص قبل الواو بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء وفتح الحاء وضم الهاء من إليهم حمزة على أصله، وكسرها الباقون ﴿من أهل القرى﴾، أي: من أهل الأمصار والمدن المبنية بالمدر والحجر ونحوه لا من أهل البوادي؛ لأنّ أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل وأعقل من أهل البوادي، ومكة أم القرى؛ لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به من حج البيت وكان العرب كلهم يأتونها فكيف تعجبوا في حقك؟ قال الحسن: لم يبعث الله نبياً من البادية لغلظهم وجفائهم، ثم هدّدهم سبحانه وتعالى بقوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا﴾، أي: هؤلاء المشركون المكذبون ﴿في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ من المكذبين للرسل والآيات فيحذروا تكذيبك ويعتبروا بهم وبما حلّ بهم من عذابنا. ولما أنّ الله تعالى نجى المؤمنين عند نزول العذاب بالأمم الماضية المكذبة وما في الآخرة خير لهم بين ذلك بقوله تعالى: ﴿ولدار الآخرة﴾، أي: ولدار الحال الآخرة أو الساعة الآخرة أو الحياة الآخرة ﴿خير﴾ وهي الجنة ﴿للذين اتقوا﴾ الله من حياة مآلها الموت، وإن فرحوا فيها بالمحال وإن امتدّت ألف عام وكان عيشها كله رغداً من غير آلام ﴿أفلا يعقلون﴾ فيستعملون عقولهم فيتبعون الداعي إلى هذا السبيل الأقوم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتاء على الخطاب لأهل مكة، والباقون بالياء على الغيبة لهم وللمشركين المكذبين وقوله تعالى:
(٣/٣٤٠)
---


الصفحة التالية
Icon