﴿إن ربك﴾ المحسن إليك بالتخفيف عنك ﴿هو أعلم﴾ أي: من كل من يتوهم فيه علم ﴿بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ أي: فهو سبحانه وتعالى أعلم بالفريقين فمن كان فيه خير كفاه الوعظ والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل وكأنك تضرب في حديد بارد فما عليك إلا البلاغ والدعوة، وأمّا حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس ذلك إليك، وهذا قبل الأمر بالقتال. وذكر في قوله تعالى:
﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ أقوال: أحدها: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي: أنّ النبيّ ﷺ لما رأى عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فقال: «أما أنها لو أكلته لم تدخل النار أبداً، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئاً من جسده النار، فلما نظر رسول الله ﷺ إليه نظر إلى شيء لم ينظر إلى شي قط أوجع لقلبه منه فقال النبيّ ﷺ رحمة الله عليك فإني ما علمتك إلا فعالاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله لئن ظفرني الله بهم لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك فنزلت، فأمسك رسول الله ﷺ عما أراد وكفر عن يمينه». وقال المسلمون أيضاً: لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد من تبقير البطون والمثلة السيئة حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به إلا حنظلة بن الراهب فإنّ أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن ظفرنا عليهم لنزيدّن عليهم يعني على صنيعهم ولنمثلنّ بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد.
(٤/١٤٣)
---


الصفحة التالية
Icon