(٥/٣١٧)
---
الشبع والريّ والكسوة والمكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الناس ذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب، وذكرها بلفظ النفي لأضدادها بقوله تعالى:
﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى﴾
﴿وإنك لا تظمأ﴾ أي: تعطش ﴿فيها ولا تضحى﴾ أي: لا يحصل لك حر شمس الضحى لانتفاء الشمس في الجنة بل أهلها في ظل ممدود وهذه الأشياء كأنها تفسير للشقاء المذكور في قوله تعالى: فتشقى
﴿فوسوس﴾ أي: فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في زمان أن وسوس ﴿إليه الشيطان﴾ المحترق المطرود وهو إبليس أي: أنهى إليه الوسوسة، وأما وسوس له، فمعناه لأجله، فلذلك عدي تارة باللام في قوله تعالى: ﴿فوسوس لهما﴾ (الأعراف، ٢٠)، وتارة بإلى، ثم بيّن تعالى تلك الوسوسة ما هي بقوله تعالى: ﴿قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد﴾ أي: على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً ﴿وملك لا يبلى﴾ أي: لا يبيد ولا يفنى، قال الرازي: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله تعالى: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾، ورغبة إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله تعالى: هل أدلك على شجرة الخلد وفي انتظام المعيشة بقوله، وملك لا يبلى، فكان الشيء الذي رغب الله تعالى فيه آدم هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك الأمر على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقفه على الإقدام عليها، ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن الله مولاه وناصره ومربيه وعلمه بأن إبليس عدوّه حيث امتنع من السجود له وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته كيف قبل في الواقعة الواحدة، والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه الناصر له والمربي، ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء


الصفحة التالية
Icon