والثالث: قول إبليس إني أداويه على أن يقول: أنت شفيتني، وقيل: إن إبليس وسوس إليه أن امرأته زنت، فقطعت ذؤابتها فحينئذٍ عيل صبره، وحلف ليضربنها مائة جلدة، وقيل معناه مسني الضرّ من شماتة الأعداء، وقيل: قال ذلك حين وقعت دودة من فخذه فردّها إلى موضعها، وقال: كلي جعلني الله طعامك، فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان فإن قيل: إن الله تعالى سماه صابراً، وقد أظهر الشكوى والجزع بقوله: أني مسني الضرّ، ومسني الشيطان بنصب؟ أجيب: بأن هذا ليس بشكاية إنما هو دعاء بدليل قوله تعالى:
﴿س٢١ش٨٤/ش٨٦ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ؟ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ؟ مِن ضُرٍّ؟ وَءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ؟ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ؟ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ؟ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾
﴿فاستجبنا له﴾ والجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، وأما الشكوى إلى الله تعالى، فلا يكون جزعاً، ولا ترك صبر، كما قال يعقوب عليه السلام :﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (يوسف، ٨٦)
وقال سفيان بن عيينة من أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله تعالى لا يكون ذلك جزعاً، كما روي «أن جبريل عليه السلام دخل على النبي ﷺ فقال: كيف تجدك، قال: أجدني مغموماً أجدني مكروباً»، وقال ﷺ «لعائشة رضي الله تعالى عنها حين قالت: وارأساه، بل أنا وارأساه» وروي أن امرأة أيوب قالت له يوماً: لو دعوت الله فقال لها: كم كانت مدّة الرخاء، فقالت: ثمانين سنة، فقال: أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدّة بلائي مدّة رخائي، ثم تسبب عن الإجابة قوله تعالى: ﴿فكشفنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿ما به من ضرّ﴾ بأن أمرناه أن يركض برجله فتنبع له عين من ماء كما قال تعالى: ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ (ص، ٤٢)
(٥/٤٠٢)
---


الصفحة التالية
Icon