﴿ما قدروا الله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿حق قدره﴾ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته حيث أشركوا به ما لا يمتنع عن الذباب ولا ينتصف منه ﴿إنّ الله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال ﴿لقويّ﴾ على خلق الممكنات بأسرها ﴿عزيز﴾ أي: لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة عن أقلها مقهورة من أذلها؛ قال الكلبي في هذه الآية وفي نظيرها في سورة الإنعام أنها نزلت في جماعة من اليهود مالك بن الصيف، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهم حيث قالوا: إنّ الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض وأجناس خلقها استلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم، ونزل قوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ (ق، ٣٨)
؛ قال الرازي: واعلم أنّ منشأ هذه الشبهة هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال أعني عن الغرض والدواعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما يقوله المعتزلة، قال أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى: فهو سبحانه وتعالى خير النعت عزيز الوصف، فالأوهام لا تصوّره والأفكار لا تقدره، والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحدّه، صمديّ الذات سرمديّ الصفات.v
ولما ذكر سبحانه وتعالى ما يتعلق بالإلهيات ذكر ما يتعلق بالنبوّات بقوله تعالى:
﴿الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿يصطفي﴾ أي: يختار ويختص ﴿من الملائكة رسلاً﴾ كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسلام ﴿ومن الناس﴾ كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وعليهم نزلت حين قال المشركون: ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾ (ص، ٨)
فأخبر تعالى أنّ الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له الجلال والجمال ﴿سميع﴾ لمقالتهم ﴿بصير﴾ بمن يتخذه رسولاً.
(٦/٢)
---


الصفحة التالية
Icon