فإن قيل: كثير من الحيوانات لم يخلق من الماء كالملائكة خلقوا من النور وهم أعظم الحيوانات عدداً، وكذا الجن وهم مخلوقون من النار وخلق آدم من التراب كما قال تعالى: ﴿خلقه من تراب﴾ وخلق عيسى من الريح، كما قال تعالى: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ ونرى كثيراً من الحيوانات يتوالد لا من نطفة؟ أجيب: بوجوه؛ أحسنها: ما قال القفال: إن من ماء صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق. والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى، ثانيها: إن أصل جميع المخلوقات من الماء على ما روي «أن أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم قسم ذلك الماء فخلق منه النار والهواء والنور والتراب»، والمقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة، فكان أصل الخلقة الماء، فلهذا ذكره الله تعالى، ثالثها: المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنها هنالك، فتخرج الملائكة والجن، رابعها: لما كان الغالب من هذه الحيوانات كونها مخلوقة من الماء إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء أطلق عليها لفظ كل تنزيلاً للغالب منزلة الكل.
فإن قيل: لم نكر الماء في قوله تعالى ﴿من ماء﴾ وعرفه في قوله تعالى ﴿من الماء كل شيء حي﴾ (الأنبياء، ٣٠)
؟ أجيب: بأنه جاء ههنا منكراً لأن المعنى خلق كل دابة من نوع من الماء مختصاً بتلك الدابة، وعرفه في قوله تعالى: ﴿من الماء كل شيء حيّ﴾؛ لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وههنا بيان أن ذلك الجنس.
(٦/١٥٥)
---


الصفحة التالية
Icon