تنبيه: في هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد على طلب الحج منها قوله تعالى: ﴿و على الناس حج البيت﴾ أي: أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته ومنها أنه ذكر الناس ثم أنه أبدل منه من استطاع إليه سبيلاً وفيه ضربان من التوكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أنّ الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ومنها ذكر الإستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان ومنها قوله: عن العالمين ولم يقل عنه وفيه من الدلالة على الإستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الإستغناء لا محالة ولأنه يدل على الإستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب.
وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿و على الناس حج البيت﴾ جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إنّ الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل وهم المشركون واليهود والنصارى والصابئون والمجوس، قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل: ومن كفر إلخ». وعنه ﷺ «حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرّتين ويرفع في الثالثة».
وروي: «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البرّ جانبه»، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت» أي: ماتت.
(٢/٦٧)
---