وروي أنه ﷺ قال: «مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمرّ بالماء على الذي في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك فقال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» وعن حذيفة: يأتي على الناس زمان يكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجباً فواجب، وإن كان مندوباً فمندوب، وأمّا النهي عن المنكر ـ أي: الحرام ـ فواجب كله لأنّ جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه؛ لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وعن السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا وإنما يجب الأمر والنهي على المكلف إذا لم يخش ضرراً ويجب أن يدفع بالأخف فالأخف كدفع الصائل.
فإن قيل: الدعاء للخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك فهو شامل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما فائدة ذكر ذلك؟ أجيب: بأنه من عطف الخاص على العام إيذاناً بفضله كقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ (البقرة، ٢٣٨)
﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا﴾ عن دينهم ﴿واختلفوا﴾ فيه وهم اليهود والنصارى ﴿من بعدما جاءهم البينات﴾ أي: الآيات والحجج الموجبة للإتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق، وقيل: هم مبتدعة هذه الأمة وهم المشبهة والجبرية والحشوية وأشباههم وقوله تعالى: ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ وعيد للذين تفرقوا وتهديد للمتشبه بهم.
(٢/٧٤)
---


الصفحة التالية
Icon