﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول﴾ من القرآن ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ أي: جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنهم تفيض بأنفسها ﴿مما عرفوا من الحق﴾ من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا من الحق أو التبعيض فإنه بعض الحق والمعنى: إنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله، وقال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعث إليه رسول الله ﷺ بكتابه فقرىء عليهم ثم دعا بجعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين وأمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة قالوا: آمنا كما قال تعالى: ﴿يقولون ربنا آمنا﴾ أي: صدقنا نبيك وكتابك ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أي: أمة محمد ﷺ الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة دليله قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ (البقرة، ١٤٣) وإذا نظرت مكاتبات النبيّ ﷺ ازددت بصيرة في صدق هذه الآية فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهودة بن علي وغيرهم وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية في الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه ﷺ ولم يجز رسوله بشيء قال البقاعي: السرّ في ذلك أنه لما كان عيسى عليه الصلاة والسلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبيّ ﷺ كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودّة لاتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم
وقالوا في جواب من عيّرهم بالإسلام من اليهود.
﴿وما لنا لا نؤمن با وما جاءنا من الحق﴾ وهو القرآن لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه وقوله تعالى: ﴿ونطمع﴾ معطوف على نؤمن ﴿أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ أي: المؤمنين الجنة.
(١٥/١٠٨)
---