فإن قيل: ما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى عليه السلام لم يقله؟ أجيب: بأنه ذكر لتوبيخ قومه كما مرّ، ولتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا فيما يعلم أنه لم يفعله إعلاماً واستعظاماً لا استخباراً واستفهاماً، وأيضاً أراد الله عز وجل أن يقرّ عيسى على نفسه بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك. قال أبو روق إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب ارتعدت فرائصه ومفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم ثم ﴿قال﴾ وهو يرعد مجيباً لله ﴿سبحانك﴾ أي: أنزهك عن أن يكون لك شريك ﴿ما يكون﴾ أي: ما ينبغي ﴿لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ خبر ليس «ولي» للتبيين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي الأولى بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما﴾ أخفيه ﴿في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ أي: ما أخفيته عني من الأشياء وقوله: في نفسك للمشاكلة. وقيل: المراد بالنفس الذات وقوله: ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ تقرير لجملتي ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ باعتبار منطوق ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ ومفهومه لأنه يدل بمنطوقه على أنه تعالى لا يعلم الغيب غيره فيكون تقريراً لقوله تعالى: ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم.
﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ وهو ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ أي: فأنا وإياهم في العبودية سواء ﴿وكنت عليهم شهيداً﴾ أي: رقيباً أمنعهم مما يقولون ﴿ما دمت فيهم فلما توفيتني﴾ بالرفع إلى السماء لقوله تعالى: ﴿إني متوفيك ورافعك إليّ﴾ (آل عمران، ٥٥) والتوفّي أخذ الشيء وافياً والموت نوع منه قال الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ (الزمر، ٤٢) ﴿كنت أنت الرقيب﴾ أي: الحفيظ ﴿عليهم﴾ أي: لأعمالهم ﴿وأنت على كل شيء﴾ من قولي وقولهم وغير ذلك ﴿شهيد﴾ أي: مطلع عالم به.
(١٥/١٤٨)
---