قِيلَ : لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْعِبَادَةَ لاَ سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إِلَيْهَا إِلاَّ بِمَعُونَةٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَكَانَ مُحَالاً أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَابِدًا إِلاَّ وَهُوَ عَلَى الْعِبَادَةِ مُعَانٌ، وَأَنْ يَكُونَ مُعَانًا عَلَيْهَا إِلاَّ وَهُوَ لَهَا فَاعِلٌ ؛ كَانَ سَوَاءً تَقْدِيمُ مَا قُدِّمَ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، كَمَا سَوَاءٌ قَوْلُكَ ِلرَّجُلِ إِذَا قَضَى حَاجَتَكَ فَأَحْسَنَ إِلَيْكَ فِي قَضَائِهَا : قَضَيْتَ حَاجَتِي فَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ، فَقَدَّمْتَ ذِكْرَ قَضَائِهِ حَاجَتَكَ. أَوْ قُلْتَ : أَحْسَنْتَ إِلَيَّ فَقَضَيْتَ حَاجَتِي، فَقَدَّمْتَ ذِكْرَ الإِحْسَانِ عَلَى ذِكْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ قَاضِيًا حَاجَتَكَ إِلاَّ وَهُوَ إِلَيْكَ مُحْسِنٌ، وَلاَ مُحْسِنًا إِلَيْكَ إِلاَّ وَهُوَ لِحَاجَتِكَ قَاضٍ. فَكَذَلِكَ سَوَاءٌ قَوْلُ الْقَائِلِ : اللَّهُمَّ إِنَّا إِيَّاكَ نَعْبُدُ فَأَعِنَّا عَلَى عِبَادَتِكَ، وَقَوْلُهُ : اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى عِبَادَتِكَ فَإِنَّا إِيَّاكَ نَعْبُدُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَهْلِ الْغَفْلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :.
| وَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ | كَفَانِي وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ الْمَالِ |
فَإِنْ قَالَ : فَمَا وَجْهُ تَكْرَارِهِ :﴿إِيَّاكَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ :﴿نَسْتَعِينُ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ نَعْبُدُ ؟ وَهَلاَّ قِيلَ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَنَسْتَعِينُ، إِذْ كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ أَنَّهُ الْمَعْبُودُ هُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ أَنَّهُ الْمُسْتَعَانُ ؟@