إِنَّمَا جَازَ أَنْ تَكُونَ لاَ بِمَعْنَى الْحَذْفِ، لِأَنَّ الْجَحْدَ قَدْ تَقَدَّمَهَا فِي أَوَّلِ الْكَلاَمِ، فَكَانَ الْكَلاَمُ الآخَرُ مُوَاصِلاً لِلأَوَّلِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :.
| مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ | وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ |
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ الآخَرُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الأَوَّلِ، إِذْ كَانَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ ابْتِدَاءُ الْكَلاَمِ مِنْ غَيْرِ جَحْدٍ تَقَدَّمَهُ بِلاَ الَّتِي مَعْنَاهَا الْحَذْفُ، وَلاَ جَائِزٌ الْعَطْفُ بِهَا عَلَى سِوَى، وَلاَ عَلَى حَرْفِ الاِسْتِثْنَاءِ. وَإِنَّمَا لِغَيْرِ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ مَعَانٍ ثَلاَثَةٌ : أَحَدُهَا الاِسْتِثْنَاءُ، وَالآخَرُ الْجَحْدُ، وَالثَّالِثُ سِوَى، فَإِذَا ثَبَتَ خَطَأُ أَنْ لاَ تَكُونَ بِمَعْنَى الإِلْغَاءِ مُبْتَدَأٌ وَفَسَدَ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى غَيْرِ الَّتِي مَعَ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى إِلاَّ الَّتِي هِيَ اسْتِثْنَاءٌ، وَلَمْ يَجُزْ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى سِوَى، وَكَانَتْ لاَ مَوْجُودَةً عَطْفًا بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ عَاطِفَةٌ لَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا، صَحَّ وَثَبَتَ أَنْ لاَ وَجْهَ لِغَيْرِ الَّتِي مَعَ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَجُوزُ تَوْجِيهِهَا إِلَيْهِ عَلَى صِحَّةِ إِلاَّ بِمَعْنَى الْجَحْدِ وَالنَّفْيِ، وَأَنْ لاَ وَجْهَ لِقَوْلِهِ :﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ إِلاَّ الْعَطْفُ عَلَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
فَتَأْوِيلُ الْكَلاَمِ إِذًا إِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا بِالَّذِي عَلَيْهِ اسْتَشْهَدْنَا :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لاَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ.