وَيُقَالُ لِقَائِلِي الْقَوْلِ الثَّانِي الزَّاعِمِينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ هُوَ وَصْفُهُمْ بِالاِسْتِكْبَارِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الإِقْرَارِ بِالْحَقِّ تَكَبُّرًا : أَخْبِرُونَا عَنِ اسْتِكْبَارِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الإِقْرَارِ بِمَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الإِيمَانِ وَسَائِرِ الْمَعَانِي اللَّوَاحِقِ بِهِ، أَفِعْلٌ مِنْهُمْ، أَمْ فِعْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهِمْ ؟
فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مِنْهُمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ، قِيلَ لَهُمْ : فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِعْرَاضُ الْكَافِرِ عَنِ الإِيمَانِ وَتَكَبُّرُهُ عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ، وَهُوَ فِعْلُهُ عِنْدَكُمْ خَتْمًا مِنَ اللَّهِ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ، وَخَتْمُهُ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ فِعْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ فِعْلِ الْكَافِرِ ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ جَازٌ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ تَكَبُّرَهُ وَإِعْرَاضَهُ كَانَا عَنْ خَتْمِ اللَّهِ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْخَتْمُ سَبَبًا لِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُسَمَّى مُسَبِّبُهُ بِهِ ؛ تَرَكُوا قَوْلَهُمْ، وَأَوْجَبُوا أَنَّ الْخَتْمَ مِنَ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ وَأَسْمَاعِهِمْ مَعْنَى غَيْرِ كُفْرِ الْكَافِرِ وَغَيْرِ تَكَبُّرِهِ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ قَبُولِ الإِيمَانِ وَالإِقْرَارِ بِهِ، وَذَلِكَ دُخُولٌ فِيمَا أَنْكَرُوهُ.
وَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ أَوْضَحِ الْدِلَّيل عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُنْكِرِينَ تَكْلِيفَ مَا لاَ يُطَاقُ إِلاَّ بِمَعُونَةِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِ صِنْفٍ مِنْ كُفَّارِ عِبَادِهِ وَأَسْمَاعِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يُسْقِطِ التَّكْلِيفَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَضَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَرَائِضَهُ وَلَمْ يَعْذِرُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ خِلاَفِ طَاعَتِهِ بِسَبَبِ مَا فَعَلَ بِهِ مِنَ الْخَتْمِ وَالطَّبْعِ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ، بَلْ أَخْبَرَ أَنَّ لِجَمِيعِهِمْ مِنْهُ عَذَابًا عَظِيمًا عَلَى تَرْكِهِمْ طَاعَتَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ حُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ مَعَ حَتْمِهِ الْقَضَاءَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ.


الصفحة التالية
Icon