وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ :﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وَنَفْيُهُ عَنْهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ اسْمَ الإِيمَانِ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ تَكْذِيبٌ لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا عَنِ اعْتِقَادِهِمْ مِنَ الإِيمَانِ بقلوبهم وَالإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ، وَإِعْلاَمٌ مِنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الَّذِيَ يُبْدُونَهُ لَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ خِلاَفَ مَا فِي ضَمَائِرِ قُلُوبِهِمْ، وَضِدُّ مَا فِي عَزَائِمِ نُفُوسِهِمْ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةُ دَلاَلَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى بُطُولِ مَا زَعَمَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ مِنْ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَوْلِ دُونَ سَائِرِ الْمَعَانِي غَيْرِهِ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ :﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ثُمَّ نَفَى عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، إِذْ كَانَ اعْتِقَادُهُمْ غَيْرَ مُصَدِّقٍ قِيلَهُمْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ :﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بِمُصَدِّقِينَ بمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ بِهِ مُصَدَّقُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَخِدَاعُ الْمُنَافِقِ رَبَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ إِظْهَارُهُ بِلِسَانِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّصْدِيقِ خِلاَفَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ لِيَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا أَظْهَرَ بِلِسَانِهِ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، اللاَّزِمَ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَالِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ لَوْ لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانِهِ مَا أَظْهَرَ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالإِقْرَارِ، مِنَ الْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ، فَذَلِكَ خِدَاعُهُ رَبَّهُ وَأَهْلَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ.


الصفحة التالية
Icon