قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ يَقُولُ : لاَ تَعْصُوا فِي الأَرْضِ. قَالَ : فَكَانَ فَسَادُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لِأَنَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِي الأَرْضِ أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الأَرْضِ، لِأَنَّ إِصْلاَحَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِالطَّاعَةِ.
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالآيَةِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ صِفَتِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُ سَلْمَانَ عِنْدَ تِلاَوَةِ هَذِهِ الآيَةِ : مَا جَاءَ هَؤُلاَءِ بَعْدُ، أَنْ يَكُونَ قَالَهُ بَعْدَ فَنَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا مِنْهُ عَمَّنْ هو جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَهُمْ وَلَمَّا يَجِئْ بَعْدُ، لاَ أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ ذلك صِفَتُهُ أَحَدٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالآيَةِ مَا ذَكَرْنَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ مَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ فِيهِمْ نَزَلَتْ. وَالتَّأْوِيلُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلٍ لاَ دَلاَلَةَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ أَصْلٍ وَلاَ نَظِيرٍ.