وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ :﴿وَلِبَاسُ﴾ يُرْفَعُ بِقَوْلِهِ :(وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ)، وَيُجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ نَعْتِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ فِي رَفْعِ (اللِّبَاسُ) لِأَنَّهُ لاَ وجه للرفع فيه إِلاَّ أَنْ يكون مَرْفُوعًا بِـ ﴿خَيْرٌ﴾، وَإِذَا رُفِعَ بِـ ﴿خَيْرٌ﴾ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ اللِّبَاسُ نَعْتًا، لاَ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى اللِّبَاسِ مِنْ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ :﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، فَيَكُونُ ﴿خَيْرٌ﴾ مَرْفُوعًا بِـ﴿ذَلِكَ﴾، وَ﴿ذَلِكَ﴾ بِهِ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْكَلاَمِ إِذَنْ : رَفَعَ لِبَاسَ التَّقْوَى، وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ الَّذِي قَدْ عَلِمْتُمُوهُ خَيْرٌ لَكُمْ يَا بَنِي آدَمَ مِنْ لِبَاسِ الثِّيَابِ الَّتِي تُوَارِي سَوْآتِكُمْ، وَمِنَ الرِّيَاشِ الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا إِلَيْكُمْ فَالْبَسُوهُ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ قَرَأَهُ نَصْبًا، فَإِنَّهُ : يَا بَنِي آدَمَ، قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ، وَرِيشًا، وَلِبَاسُ التَّقْوَى هَذَا الَّذِي أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ، مِنَ اللِّبَاسِ الَّذِي يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَالرِّيشِ، وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ التَّعَرِّي وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الثِّيَابِ فِي طَوَافِكُمْ بِالْبَيْتِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَالْبَسُوا مَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الرِّيَاشِ، وَلاَ تُطِيعُوا الشَّيْطَانَ بِالتَّجَرُّدِ وَالتَّعَرِّي مِنَ الثِّيَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُخْرِيَةٌ مِنْهُ بِكُمْ وَخُدْعَةٌ، كَمَا فَعَلَ بِأَبَوَيْكُمْ آدَمَ وَحَوَّاءَ فَخَدَعَهُمَا حَتَّى جَرَّدَهُمَا مِنْ لِبَاسِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ أَلْبَسَهُمَا بِطَاعَتِهِمَا لَهُ فِي أَكْلِ مَا كَانَ اللَّهُ نَهَاهُمَا عَنْ أَكْلِهِ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرَةِ الَّتِي عَصَيَاهُ بِأَكْلِهَا.