﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، يَقُولُ : وَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ وَالْعَمَلَ، وَلاَ تُشْرِكُوا فِي عَمَلِكُمْ لَهُ شَيْئًا غَيْرَهُ مِنَ الآلِهَةِ وَالأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلْيَكُنْ مَا يَكُونُ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ وَطَمَعًا فِي ثَوَابِهِ، وَإِنَّ مَنْ كَانَ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِالآخِرَةِ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفْ عِقَابَ اللَّهِ وَلَمْ يَرْجُ ثَوَابَهُ لَمْ يُبَالِ مَا رَكِبَ مِنْ أَمْرٍ يَسْخَطُهُ اللَّهُ وَلاَ يَرْضَاهُ ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ الْمُحْسِنِينَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا قَرِيبٌ مِنْهُمْ. وَذَلِكَ هُوَ رَحْمَتُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَصِيرُوا إِلَى ذَلِكَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ كَرَامَتِهِ، إِلاَّ أَنْ تُفَارِقَ أَرْوَاحُهُمْ أَجْسَادَهُمْ.
وَلِذَلِكَ مِنَ الْمَعْنَى ذَكَرَ قَوْلَهُ :﴿قَرِيبٌ﴾، وَهُوَ مِنْ خَبَرِ الرَّحْمَةِ وَالرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْقُرْبُ فِي الْوَقْتِ لاَ فِي النَّسَبِ، وَالأَوْقَاتُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، إِذَا رُفِعَتْ أَخْبَارًا لِلأَسْمَاءِ أَجْرَتْهَا الْعَرَبُ مَجْرَى الْحَالِ فَوَحَّدَتْهَا مَعَ الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ وَذَكَّرَتْهَا مَعَ الْمُؤَنَّثِ، فَقَالُوا : كَرَامَةُ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ فُلاَنٍ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنْ فُلاَنٍ، كَمَا يَقُولُونَ : هِنْدُ قَرِيبٌ مِنَّا، وَالْهِنْدَانُ مِنَّا قَرِيبٌ، وَالْهِنْدَاتُ مِنَّا قَرِيبٌ، لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : هِيَ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَّا، فَإِذَا حَذَفُوا الْمَكَانَ وَجَعَلُوا الْقَرِيبَ خَلَفًا مِنْهُ، ذَكَّرُوهُ وَوَحَّدُوهُ فِي الْجَمْعِ، كَمَا كَانَ الْمَكَانُ مُذَكَّرًا وَمُوَحَّدًا فِي الْجَمْعِ. وَأَمَّا إِذَا أَنَّثُوهُ أَخْرَجُوهُ مُثَنًّى مَعَ الاِثْنَيْنِ وَمَجْمُوعًا مَعَ الْجَمِيعِ، فَقَالُوا : هِيَ قَرِيبَةٌ مِنَّا، وَهُمَا مِنَّا قَرِيبَتَانِ، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ :
| عَشِيَّةَ لاَ عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ | فَتَدْنُو وَلاَ عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ |