فَيَحْتَلِبُونَ مَا شَاءُوا مِنْ لَبَنٍ، فَيَشْرَبُونَ وَيَدَّخِرُونَ حَتَّى يَمْلَئُوا كُلَّ آنِيَتِهِمْ، ثُمَّ تَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ الْفَجِّ الَّذِي مِنْهُ وَرَدَتْ، لاَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَصْدُرَ مِنْ حَيْثِ تَرِدُ لِضِيقِهِ عَنْهَا، فَلاَ تَرْجِعُ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ كَانَ يَوْمُهُمْ، فَيَشْرَبُونَ مَا شَاءُوا مِنَ الْمَاءِ، وَيَدَّخِرُونَ مَا شَاءُوا لِيَوْمِ النَّاقَةِ، فَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ. وَكَانَتِ النَّاقَةُ فِيمَا يَذْكُرُونَ تَصِيفُ إِذَا كَانَ الْحَرُّ بِظَهْرِ الْوَادِي، فَتَهْرَبُ مِنْهَا الْمَوَاشِي أَغْنَامُهُمْ وَأَبْقَارُهُمْ وَإِبِلُهُمْ، فَتَهْبِطُ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي فِي حَرِّهِ وَجَدْبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوَاشِيَ تَنْفِرُ مِنْهَا إِذَا رَأَتْهَا، وَتَشْتَوِ فِي بَطْنِ الْوَادِي إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ، فَتَهْرَبُ مَوَاشِيهِمْ إِلَى ظَهْرِ الْوَادِي فِي الْبَرْدِ وَالْجَدْبِ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِمَوَاشِيهِمْ لِلْبَلاَءِ وَالاِخْتِبَارِ. وَكَانَتْ مَرَاتِعُهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ الْجِنَابَ وَحِسْمَى، كُلُّ ذَلِكَ تَرْعَى مَعَ وَادِي الْحِجْرِ. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَأَجْمَعُوا فِي عَقْرِ النَّاقَةِ رَأْيَهُمْ.
وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ ثَمُودَ يُقَالُ لَهَا عُنَيْزَةُ بِنْتُ غَنْمِ بْنِ مِجْلَزٍ، تُكَنَّى بِأُمِّ غَنْمٍ، وَهِيَ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ الْمُهِلِّ أَخِي دُمَيْلِ بْنِ الْمُهِلِّ، وَكَانَتِ امْرَأَةَ ذُوَابَ بْنِ مْرٍو، وَكَانَتْ عَجُوزًا مُسِنَّةً، وَكَانَتْ ذَاتَ بَنَاتٍ حِسَانٍ، وَكَانَتْ ذَاتَ مَالٍ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا : صَدُوفُ بِنْتُ الْمَحْيَا بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْمُحَيَّا سَيِّدِ بَنِي عُبَيْدٍ وَصَاحِبِ أَوْثَانِهِمْ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ. وَكَانَ الْوَادِي يُقَالُ لَهُ : وَادِي الْمَحْيَا، وَهُوَ الْمَحْيَا الأَكْبَرُ جَدُّ الْمَحْيَا الأَصْغَرِ أَبِي صَدُوفٍ.