الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾.
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ :(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ) بِكَسْرِ الأَلْفِ مِنْ إِنَّهُمْ وَبِالتَّاءِ فِي تَحْسَبَنَّ بِمَعْنَى : وَلاَ تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُونَا فَفَاتُونَا بِأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ ابْتُدِئَ الْخَبَرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ : إِنَّ هَؤُلاَءِ الْكَفَرَةَ لاَ يُعْجِزُونَ رَبَّهُمْ إِذَا طَلَبَهُمْ وَأَرَادَ تَعْذِيبَهُمْ وَإِهْلاَكَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ فَيَفُوتُوهُ بِهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالْيَاءِ فِي يَحْسَبَنَّ، وَكَسْرِ الأَلْفِ مِنْ إِنَّهُمْ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ غَيْرُ حَمِيدَةٍ لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا خُرُوجُهُمَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ وَشُذُوذُهَا عَنْهَا، وَالآخَرُ بُعْدُهَا مِنْ فَصِيحِ كَلاَمِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَحْسِبُ يَطْلُبُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ مَنْصُوبًا وَخَبَرَهُ، كَقَوْلِهِ : عَبْدُ اللَّهِ يَحْسِبُ أَخَاكَ قَائِمًا وَيَقُومُ وَقَامَ، فَقَارِئُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَصْحَبَ يَحْسِبُ خَبَرًا لِغَيْرِ مُخْبَرٍ عَنْهُ مَذْكُورٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مُرَادُهُ : ظَنِّي وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَنَا، @