وَقَدْ دَلَلْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ النَّاسِخَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مَا نَفَى حُكْمَ الْمَنْسُوخِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَمَّا مَا كَانَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ فَغَيْرُ كَائِنٍ نَاسِخًا. وَقَوْلُ اللَّهِ فِي بَرَاءَةٍ :﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ غَيْرُ نَافٍ حُكْمُهُ حُكْمَ قَوْلِهِ. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ لِأَنَّ قَوْلَهُ :﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانُوا يَهُودًا أَهْلَ كِتَابٍ، وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِصُلْحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُتَارَكَتِهِمُ الْحَرْبَ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ الَّذِينَ لاَ يَجُوزُ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، فَلَيْسَ فِي إِحْدَى الآيَتَيْنِ نَفْي حُكْمِ الأُخْرَى، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُحْكَمَةٌ فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ.
١٦٣٢٨- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ :﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ قَالَ : قُرَيْظَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يَقُولُ : فَوِّضْ إِلَى اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ أَمْرَكَ، وَاسْتَكْفِهِ وَاثِقًا بِهِ أَنَّهُ يَكْفِيكَ.
١٦٣٢٩- كَالَّذِي حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ.
وَقَوْلُهُ :﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ الَّذِي تَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ@


الصفحة التالية
Icon