الْقَوْلُ فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا التَّوْبَةُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ :﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ هَذِهِ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَـ بَرَاءَةٌ مَرْفُوعَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ هَذِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ :﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ مَرْفُوعَةٌ بِمَحْذُوفٍ هُوَ هَذِهِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : بَرَاءَةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهَا فِي قَوْلِهِ :﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ وَجَعَلَهَا كَالْمَعْرِفَةِ تَرْفَعُ مَا بَعْدَهَا ؛ إِذْ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ بِصِلَتِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ :﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كَالْمَعْرِفَةِ، وَصَارَ مَعْنَى الْكَلاَمِ : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، كَانَ مَذْهَبًا غَيْرَ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الأَوَّلُ أَعْجَبَ إِلَيَّ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يُضْمِرُوا لِكُلِّ مُعَايَنٍ نَكْرَةً كَانَ أَوْ مَعْرِفَةً ذَلِكَ الْمُعَايَنُ، هَذَا وَهَذِهِ، فَيَقُولُونَ عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمُ الشَّيْءَ الْحَسَنَ : حَسَنٌ وَاللَّهِ، وَالْقَبِيحَ : قَبِيحٌ وَاللَّهِ، يُرِيدُونَ : هَذَا حَسَنٌ وَاللَّهِ، وَهَذَا قَبِيحٌ وَاللَّهِ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْتُ الْقَوْلَ الأَوَّلَ.
وَقَالَ :﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ وَالْمَعْنَى : إِلَى الَّذِينَ عَاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّ الْعُهُودَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتَوَلَّى عَقْدَهَا إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مَنْ يَعْقِدُهَا بِأَمْرِهِ، @