وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ، وَوَصْفُهُمْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ أَنَّهُ سِحْرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ وَصَفُوهُ بِالسِّحْرِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَسَوَاءٌ بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ لاِتِفَاقِ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَفِي الْكَلاَمِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى بِدَلاَلَةِ مَا ذَكَرَ عَمَّا تَرَكَ ذِكْرَهُ وَهُوَ : فَلَمَّا بَشَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ وَتَلاَ عَلَيْهِمُ الْوَحْيَ، قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَنَا بِهِ لَسِحْرٌ مُبِينٌ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلاَمِ إِذًا :﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، فَلَمَّا آتَاهُمْ بِوَحْيِ اللَّهِ وَتَلاَهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْمُنْكِرُونَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَرِسَالَةَ رَسُولِهِ : إِنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ لَسِحْرٌ مُبِينٌ ؛ أَيْ يُبَيِّنُ لَكَمْ عَنْهُ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلاَ تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَانْفَرَدَ بِخَلْقِهَا بِغَيْرِ شَرِيكٍ وَلاَ ظَهِيرٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ مُدْبِرًا لِلأُمُورِ وَقَاضِيًا فِي خَلْقِهِ مَا أَحَبَّ، لاَ يَضَادُهُ فِي قَضَائِهِ أَحَدٌ وَلاَ يَتَعَقَّبُ تَدْبِيرَهُ مُتَعَقِّبٌ وَلاَ يَدْخُلُ أُمُورَهُ خَلَلٌ. ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ يَقُولُ : لاَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ شَافِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَحَدٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ فيه.


الصفحة التالية
Icon