يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :﴿أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يَعْنِي أَنَّ عَذَابَهُ الَّذِي أَوْعَدَ هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ حَقٌّ، فَلاَ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَسْتَعْجِلُوا بِهِ فَإِنَّهُ بِهِمْ وَاقِعٌ لاَ شَكَّ. ﴿وَلَكَنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ : وَلَكَنَّ أَكْثَرَ هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكِينَ لاَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ وُقُوعِ ذَلِكَ بِهِمْ، فَهُمْ مِنْ أَجْلِ جَهْلِهِمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ لاَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا أَرَادَ فِعْلَهُ مِنْ إِحْيَاءِ هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَرَادَ إِحْيَاءَهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، وَلاَ إِمَاتَتُهُمْ إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ، وَهُمْ إِلَيْهِ يَصِيرُونَ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ فَيُعَايِنُونَ مَا كَانُوا بِهِ مُكَذِّبِينَ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِخَلْقِهِ :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي ذِكْرَى تُذَكِّرُكُمْ عِقَابَ اللَّهِ وَتُخَوِّفُكُمْ وَعِيدَهُ مِنْ رَبِّكُمْ. يَقُولُ : مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ لَمْ يَخْتَلِقْهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَفْتَعِلْهَا أَحَدٌ، فَتَقُولُوا : لاَ نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ لاَ صِحَّةَ لَهَا. وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ الْمَوْعِظَةُ مِنَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ :﴿وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ يَقُولُ : وَدَوَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الْجَهْلِ، يَشْفِي بِهِ اللَّهُ جَهْلَ الْجُهَّالِ، فَيُبْرِئُ بِهِ دَاءَهُمْ وَيَهْدِي بِهِ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ بِهِ. ﴿وَهُدًى﴾ يَقُولُ : وَهُوَ بَيَانٌ لِحَلاَلِ اللَّهِ وَحَرَامِهِ، وَدَلِيلٌ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يَرْحَمُ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، فَيَنْقِذُهُ بِهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ إِلَى الْهُدَى، وَيُنْجِيهِ بِهِ مِنَ الْهَلاَكِ وَالرَّدَى. وَجَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ دُونَ الْكَافِرِينَ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ عَمًّى، وَفِي الآخِرَةِ جَزَاؤُهُ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ الْخُلُودُ فِي لَظًى.