فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنِ الْمُكَذِّبِينَ، وَلَكِنْ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ شَاهِدُهُ إِذْ تَلا الْقُرْآنَ.
فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذِلِكَ لَكَانَ التَّنْزِيلُ : إِذْ تُفِيضُ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ لاَ جَمْعٌ، كَمَا قَالَ :﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ فَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ، وَلَكِنْ ذَلِكَ فِي ابْتِدَائِهِ خِطَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالإِفْرَادِ، ثُمَّ عَوْدِهِ إِلَى إِخْرَاجِ الْخِطَابَ عَلَى الْجَمْعِ نَظِيرِ قَوْلِهِ :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ فِيَ قَوْلِهِ :﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ دَلِيلاً وَاضِحًا عَلَى صَرْفِهِ الْخِطَابَ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جَمَاعَةِ النَّاسِ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ خِطَابَهُ ثُمَّ صَرَفَ الْخِطَابَ إِلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ، وَالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ.
وَخَبَرٌ عَنْ أَنَّهُ لاَ يَعْمَلُ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِهِ عَمَلاً إِلاَّ وَهُوَ لَهُ شَاهِدٌ يُحْصِي عَلَيْهِ وَيَعْلَمُهُ، كَمَا قَالَ :﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ عَمَلَ خَلْقِهِ، وَلاَ يَذْهَبُ عَلَيْهِ عِلْمُ شَيْءٍ حَيْثُ كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ سَمَاءٍ.
وَأَصْلُهُ مِنْ عُزُوبِ الرَّجُلِ عَنْ أَهْلِهِ فِي مَاشِيَتِهِ، وَذَلِكَ غَيْبَتُهُ عَنْهُمْ فِيهَا، يُقَالُ مِنْهُ : عَزَبَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِهِ يَعْزُبُ، وَيَعْزِبُ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ. وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، لاِتِفَاقِ مَعْنَيْهِمَا وَاسْتِفَاضَتِهِمَا فِي مَنْطِقِ الْعَرَبِ غَيْرَ أَنِّي أَمِيلُ إِلَى الضَّمِّ فِيهِ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِينَ مِنَ الْقُرَّاءِ.


الصفحة التالية
Icon