وَبَعْدُ، فَإِنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ عَطَفًا بِهِ عَلَى قَوْلِهِ :﴿لِيَتَفَقَّهُوَا فِي الدِّينِ﴾ وَلاَ شَكَّ أَنَّ الطَّائِفَةَ النَّافِرَةَ لَمْ يَنْفِرُوا إِلاَّ وَالإِنْذَارُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهَا، وَلِلإِنْذَارِ وَخَوْفِ الْوَعِيدِ نَفَرَتْ، فَمَا وَجْهُ إِنْذَارِ الطَّائِفَةِ الْمُتَخَلِّفَةِ الطَّائِفَةَ النَّافِرَةَ وَقَدْ تَسَاوَتَا فِي الْمَعْرِفَةِ بِإِنْذَارِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا ؟ وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا جَائِزٌ أَنْ تُوصَفَ بِإِنْذَارِ الأُخْرَى، لَكَانَ أَحَقَّهُمَا بِأَنْ يُوصَفَ بِهِ الطَّائِفَةُ النَّافِرَةُ، لِأَنَّهَا قَدْ عَايَنَتْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مَا لَمْ تُعَايِنِ الْمُقِيمَةُ، وَلَكَنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا تُنْذِرُ مِنْ حَيِّهَا وَقَبِيلَتِهَا وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ مَا أُنْزِلَ بِمَنْ عَايَنَتْهُ مِمَّنْ أَظْفَرَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نُظَرَائِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَاتِلُوا مَنْ وَلِيَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ دُونَ مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ، يَقُولُ لَهُمُ : ابْدَءُوا بِقِتَالِ الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ إِلَيْكُمْ دَارًا دُونَ الأَبْعَدِ فَالأَبْعَدِ. وَكَانَ الَّذِي يَلُونَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ يَوْمَئِذٍ الرُّومُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا سُكَّانَ الشَّامِ يَوْمَئِذٍ، وَالشَّامُ كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْعِرَاقِ.


الصفحة التالية
Icon