وَأَمَّا سَفْكُ الدَّمِ، فَإِنَّهُ صَبُّهُ وَإِرَاقَتُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ :﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وَقَالَ : أَوَكَانَ الْقَوْمُ يَقْتُلُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيُخْرِجُونَهَا مِنْ دِيَارِهَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ؟
قِيلَ : لَيْسَ الأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْتَ، وَلَكِنَّهُمْ نُهُوا عَنْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانَ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ الرَّجُلَ قَتْلُ نَفْسِهِ، إِذْ كَانَتْ مِلَّتُهُمَا واحدة، ودينها واحدا، وكأن أهل الدين الواحد فى ولاية بعضهم بعضا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى منه عضو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ :﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أَيْ لاَ يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنْكُمُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ، فَيُقَادُ بِهِ قِصَاصًا، فَيَكُونَ بِذَلِكَ قَاتِلاً نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الَّذِي سَبَّبَ لِنَفْسِهِ مَا اسْتَحَقَّتْ بِهِ الْقَتْلَ، فَأُضِيفَ بِذَلِكَ إِلَيْهِ قَتْلُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ إِيَّاهُ قِصَاصًا بِوَلِيِّهِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَرْكَبُ فِعْلاً مِنَ الأَفْعَالِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ فَيُعَاقَبُ : أَنْتَ جَنَيْتَ هَذَا عَلَى نَفْسِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.